الشيخ الطبرسي

400

تفسير مجمع البيان

وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه ، والحقوق الواجبة فيه ، فلا ينبغي أن يفرح به . وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى ، فلا ينبغي أن يهتم له ، بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم ولا تبيد . وفي هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء الأول : حسن الخلق لأن من استوى عنده وجود الدنيا وعدمها ، لا يحسد ، ولا يعادي ، ولا يشاح ، فإن هذه من أسباب سوء الخلق ، وهي من نتائج حب الدنيا وثانيها : استحقار الدنيا وأهلها ، إذا لم يفرح بوجودها ، ولم يحزن لعدمها وثالثها : تعظيم الآخرة لما ينال فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب ورابعها : الافتخار بالله دون أسباب الدنيا . ويروى أن علي بن الحسين عليه السلام جاءه رجل فقال له : ما الزهد ؟ فقال . الزهد عشرة أجزاء : فاعلي درجة الزهد أدنى درجة الورع . وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين . وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا . وإن الزهد كله في آية من كتاب الله ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) . وقيل لبزرجمهر : ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ، ولا تفرح بما هو آت ؟ فقال : إن الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالخبرة . وعن عبد الله بن مسعود قال : لئن ( 1 ) جمرة الحسرة أحرقت ما أحرقت ، وأبقت ما أبقت ، أحب إلي من أن أقول لشئ كان : ليته لم يكن ، أو لشئ لم يكن : ليته كان . ( والله لا يحب كل مختال فخور ) أي متكبر بما أوتي ، فخور على الناس بالدنيا . ( الذين يبخلون ) بمنع الواجبات ( ويأمرون الناس بالبخل ) وفي الحديث : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل عن سيد بني عوف فقالوا : جد بن قيس على أنه يزن ( 2 ) بالبخل . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : وأي داء أدوى من البخل سيدكم البراء بن معرور . ومعنى يزن : يتهم ويقرف . ( ومن يتول ) أي يعرض عما دعاه الله إليه ( فإن الله هو الغني ) عنه وعن طاعته وصدقته ( الحميد ) في جميع أفعاله . ثم أقسم سبحانه فقال : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) أي بالدلائل المعجزات

--> ( 1 ) في نسخة لأن الحس جمرة . . وفي أخرى : لأن الحسن جمرات حرقت . وفي أخرى أيضا : لأن الحسن جمرة أحرقت . ( 2 ) زن فلانا بخير أو شر أي : ظنه به .